• Lebanon
تصفح جريدة البلد
الاربعاء 17 كانون الثاني 2018
Search
        
لبنان
12°C
19°C

فخامة الإنسان !

فخامة الإنسان !
فخامة الإنسان !
  •   Facebook Twitter
تعليق
هل أنت متأكد أنك تريد حفظ هذا الخبر؟
نعم    لا
  • الياس قطار, الجمعة 29 ديسمبر 2017 18:25

الياس قطار

 

"ما فيك تروح عالقداسة من دون ما تمرق بالإنسانيّة” يقول شفيعُ الملايين، قديس لبنان شربل مخلوف. الآتياتُ من الفِكَر، والمُتتالياتُ من السطور ليست ضربًا من ضروب التأليه، ولا التقديس، ولا حتى التبخير. هي ارتقاءٌ بإنسانيّةٍ تبدو أغلى مما عداها من العطايا الأرضية والإلهية، لا بل لُبنة الحُكم على كلّ مخلوقٍ على صورة الله ومثاله في زمن القتل باسم الدين وانتفاء الرحمة تحت عناوين انفلاشيّة .

 

ليس سهلًا على ميشال عون الرئيس أن يكون إنسانًا. وليس سهلًا على ناظره وسامعه وقارئه أن يصدّق إنسانيّته هو الذي اعتاد حجبَها عن اللبنانيين والمشرقيّين. يثير ميشال عون الرئيس فضول الجميع وأنا منهم. وكأني به يتعمّد جذبَنا إليه غصبًا عنّا وعن إراداتنا وأحكامنا المُسبقة. لا أفهم حتى الساعة لمَ نستسيغ رؤية دمعته التي لم يبخل بها في اللحظة والمكان المناسبَين. ربّما لأننا في طبيعتنا البشريّة نبحث عن نقاط ضعف الآخر، نعشقُ تعريةَ إنسانيّته لنشعرَ بأنه أقرب إلينا نحن المسرفين في البكاء والمبذّخين في المشاعر .

ظالمٌ في حقّ الرجل أن ينطوي عامٌ من دون التوقّف ولو في سطورٍ عند مشهدياتٍ أنسيّة ما عايشها القصر بهذه البحبوحة يومًا. ظالمٌ أن ينطوي عامٌ من دون التوقّف عند دمعةٍ ما بخُل بها ميشال عون على أطفالٍ ومرضى وذوي احتياجات خاصّة من دون أن يشكّك أحدٌ، حتى الخصومُ، في صدقيّتها. يعرفُ المولعون بالرجل كما غير مستسيغيه أنّه لا يجيد التمثيل أو تلبُّس المشاعر واستزيافَها. يعرفُ الأقربون كما الأبعدون أن دمعة الجنرال “سخيّة” وخائنة خصوصًا متى ارتبطت الحالة العامة بطفولة أو مرض. في لحظاتٍ لا نفهمها كمتفرّجين منتشين بدمعة رئيس بلادنا الثمانيني، يعود ميشال عون طفلًا. يدمعُ أمام ذكريات العودة الى القصر الأول حيث الألم والحرب والتهجير والشهداء؛ يدمعُ حين تناديه طفلةٌ مريضة “جدو ميشال عون”؛ يدمعُ أمام بسالة من تأقلم مع كرسيّه النقال حتى بات جزءًا من جلده يصعب سلخه؛ يدمعُ أمام نعوش عسكريين أبطال كأنه والدهم البيولوجي لا الروحي فحسب؛ يدمعُ لانتصار لبنان في المحافل الرياضية؛ يدمعُ عندما يستذكر والدته الراحلة في حملة صحيّة؛ يدمعُ عندما يحقّق أمنية شابةٍ أنهكها مرضٌ ظنّته مستعصيًا وما كان كذلك.

في الأمس، ما قمع ميشال عون دمعةً أو مشاعرَ استفزّها فيه صغيرٌ على كرسيّه النقال. سارع الى مطالبة اللبنانيين بدعم شادي في “تيليتون” نظمته جمعية “عَ سطوح بيروت” فكانت الاستجابة أكثر مما توقع الجميع من منظمين ومواكبين ومشاركين ومتبرّعين .

ليس الدمعُ بطولةً ولا دليلًا “جنائيًا” قاطعًا للحكم على إنسانية رجلٍ له في العمر والخضرمة والدمع ثمانية عقود. ليس ذاك المزيجُ من ماء وملح معيارًا لإنسانية قائد جيشٍ ثم تيارٍ ثم بلاد .

يستحقّ ميشال عون بعد عامٍ ونيّف من اختباره شعبيًا كلمة “إنسان”، تلك التي لم يستحقّها كثيرون قبله ولن يستحقها كثيرون بعده. يستحقّ ميشال عون تحيةً لا شكرًا لأن الصفة الإنسانية من بداهة بني آدم وحواء، وإن غدت بالنسبة الى شعبٍ مقهورٍ حلمًا منشودًا يتحقّق في عهد رئيس أعلى تبدو إنسانيّته مُعدية .

 

غريبٌ ميشال عون الرئيس. غريبٌ كيف كان يُفلِح في إخراس معركة عواطفه لحساب قساوة ملامحه. غريبٌ اليوم كيف استطاع تحريرَ هذه الإنسانيّة وتجسّداتها. ذكيٌّ ميشال عون، ذكيٌّ محتال (بمعناها الإيجابي) لأنه نجح في أقلَ من سنةٍ ونصف السنة في إكراه كارهيه لا على محبته بل أقله على احترام شخصه قبل موقعه. ذكيٌّ ميشال عون لأنه جعل اللبنانيين يحترمونه كإنسان قبل أن يحترموه كرئيس. ذكيٌّ ميشال عون لأنه خطف من يراعتي مداد الخواتيم وما ترك لسواه من الناس أو الملفات فرصةً لتكون آخر مشاغلي الكتابية للعام الجاري. ذكيٌّ ميشال عون لأنه يقدّم نفسه اليوم “ديكتاتورَ” قلوب لطيفًا يقع ولا يسقط، يدمع ولا ييأس، يتعثّر ولا يستسلم، يخسر معركةً من هنا وأخرى من هناك لتنتصرَ في مسيرته إنسانيةٌ شابة في جسدٍ كهل، لا بل قلبٌ لا يشيخ في جسد يشيخ .

الاسم
البريد الإلكتروني *
التعليق
كلمة التحقق
7     +     7     =  
يحتفظ موقع البلد لنفسه بحق الامتناع عن نشر التعليقات التي تحتوي على شتائم أو غيرها من الآراء الخارجة عن حدود اللياقة. إنّ الآراء المنشورة كافّة تعبّر عن رأي المرسل ولا تمثّل آراء موقع البلد أو العاملين فيه. يرجى الإلتزام بـ ٢٠٠ كلمة لتجنب إصدار رد غير كامل.

اتصل بنا  |  عن البلد  |  شروط الإستخدام
جميع حقوق الطبع محفوظة © 2011