• Lebanon
تصفح جريدة البلد
الثلاثاء 21 تشرين الثاني 2017
Search
        
لبنان
12°C
19°C

"ببالي" سيرة فيروز بصوتِها الذاكِريّ- الأبديّ

"ببالي" سيرة فيروز بصوتِها الذاكِريّ- الأبديّ
  •   Facebook Twitter
تعليق
هل أنت متأكد أنك تريد حفظ هذا الخبر؟
نعم    لا
  • بسّام برّاك, الاربعاء 1 نوفمبر 2017 19:28


بقلم الإعلاميّ بسّام برّاك


فيروز لا تعودُ من غيابٍ أو من آخرِ إطلالةٍ لها على المسرح أو حتّى من اختفاء ثوبِها خلف ستارةٍ مُضنِيةٍ  تفصلُ حرائرُها هالة الفيروز عن قماشةِ عيوننا عندما ينتاب أيدينا السكوتُ في فضاء التصفيق وصداه. فيروز حين تعودُ إليك تكون هنا حولك وحَوالَيك، تنسج لك خيوط الصباح بشعاعِ صوتها وتُفرد للّيل سطوعًا من قمر حنجرتِها .


هي دائمًا هنا . هنا، أي في دقائق حياتِنا وخيباتِنا وانتصاراتِنا، ولحظات هروبنا إلى حبّ معقودٍ براعمَ  تتفتّحُ على فنَنِ صوتها. وحين نرتكب خطيئة  نجدنا نذهب للاستغفار حاملين  من بخورِ صوتها نِثارا ننثرُه أمام ساكن العالي ونتلوه اعترافا فيروزيًّا فيصفح العالي عن دَنايانا أكثر وأسرع وبأقلّ قدْرٍ من العواقب لأنّ صوت فيروز شريكُنا في الاسترحام .
والكتابة  عن فيروز تتطلّبُ وقوفًا بين حدود القلب والعقل، بين أن تكون فيروزيًّا نهلتَ من نبع صوتِها وما عطشتَ يوما  لماء آخر، وبين أن تكون صحافيًّا تغمّس حبرك في قرارة دواتِك فتكتب مقالا كأنّك خارجه بولا شعور ولا انتماء إلى وطن وأرض لأنّ  صوت فيروز سقف يحمي أرض وطنك من العراء وحتى من أحلام وعدنا بها ذلك الصوت .
والحديث اليوم  عن فيروز هو لشقّ ثلم في درب  أغنيات ألبومها الجديد  "بِبالي" صوب جمهور لم  يلمس بعد وجهَ غلاف العمل في انتظار أن تفيَ شركات الإنتاج المعنيّة التزامَها   بعدما أعدّت الأغنيات وأشرفت عليها وكتبتها ريما الرحباني، ريما ابنة فيروز وحافظة أسرار السيّدة في ذكريات حوَتها داخل جدران أربعة وفي كواليس المسارح وفي مفاصل الحياة الأسريّة،  دوّنت حكاية فيروز في نتاج جديد بمثابة مغامرة لا بدّ منها لتطلّ فيروز وتفاجئ جمهورها بصفحة  فنيّة أخرى لم يتوقعها منها وهي تطوي صفحات كثيرة خلفها وتمضي الى المزيد من الوحدة في زمن قلّ الوفاءُ وندُر .
 
في هذه الأغنيات تدهشك فيروز بصوتها الوحيد اللاشبيهَ له إلى آنِنا، بالصوت المختمِر في جرار العمر من سبعين عامَ غناء. تنضح بمُدامِه  كلّما تقرّح حلقُ الحبّ في آهاتِنا، وعطش فؤادُنا  لسكرةٍ نقيّة في ليل صوتها العاشق فتهبُنا أوقاتا سعيدة بمولودها الجديد الآتي بعد الآلاف من أخواته الأغنيات، وتمهره بصوتها الكافي لما مضى وما سيمضي من أيّامنا .
هي هي بكلّ ما وهبَها اللّه من َحنجرة لم تكن ولن تكون إلا لها، حنجرة يوصّفها العلميّون – العلماء الموسيقيّون بأنّها تمتلك الصوت الثامن (الأوكتاف بالمصطلح الموسيقيّ) بانخفاضه وارتفاعه في آن، أي بتماهي جوابه مع قراره بجملة نغميّة واحدة، وهنا يثبت المؤلّف الموسيقيّ المايسترو جوزيف مراد "أنّ لفيروز أوكتافا مزدوجًا خصّها به الله وحدها بطبيعة تفوق الطبيعة الصوتيّة، ومع مرور السنوات أضيف إلى الصوت الثامن المنخفض في حنجرتها المزيد من طبقة القرار حتّى صارت تتمكّن من إيصال أخفض الطبقات بأداء إبداعيّ ونقاء في مساحة الصوت فضلا عمّا تمتلكه من قدرة احترافيّة في تِقنيّة الغناء" وهذا ما يمكّنها  من الغناء بلا سِمة عُمرٍ يكبرُ معها بل بسِمة صوتٍ يكبرُ في صوتها
وبالعودة إلى  ألبوم " ببالي" تسرد فيروز حكايتهَا الفنيّة بقلم ريما الأقرب الى كنف فيروز وكابيلا حياتها الخاصّة، فترندح وتغنّي عن مسارحَ اعتلتها، وتسترجع على وقع نغمات غربيّة ذاكرةَ رحلاتها وتفتح دُرج أغنياتها مقلّبة أوراقَ زمنٍ نتلمّسُه بشجن صوتها الفارح والشاغل حنانَنا وحنيننَا وانحناء سنواتِنا تحت سنديانة الوقت. هي فيروز،  بكلّ ما أوتيت من نعمة صوتٍ تزيده تسبيحًا وتحميه من غدر الزمن،   تطرق مواضيعَ قديمة بلحظة جديدة فتبوح بما تقوله في سرّها لمحبّيها وتفاجئهم بصمت وآهٍ يُضافان  إلى صمتها  وبُعادها إلا ...في الأغنية .
أعمقُ الوفاءِ لماضي فيروز ومشوارِها مع عاصي من مسرحيّات وأوبريت وأفلام وحفلات وأناشيد وموشّحات تجسّده اليوم  في ألبوم " ببالي" وتغنّيه  بحِرفة وربّما بحَرقة، بلوعةٍ وحنين ودهشةِ صوت عابقٍ بالأثر البعيد، تذرفه دمعًا حينًا ، وتوشّحه ببسمة حينا آخرَ  فيضحك نهارنا ، وتثبّتُ أداءَها  القادرَ على خرق جدار العمر  كمن يهبُّ على الحاضر برياح طيّبة فلا  يحطّم الماضويّات ولا ينأى عن الآتيات .
هكذا هي هذه السيّدة المتوَّجة بسرّ غامضٍ هو في اختصار صوتُها الساكنُ كلَّ ما فيها ولها، كلَّ ما كانتهُ وما ستكونُه بعد . وها هي تمضي بوهج أدائها وضوء صوتِها  في تشييد  أغنياتها الفرحة والحزينة فوق مِساحة  سيرةٍ ذاتيّة تنسال في أغنيات  " لحظة دخولي عالمسرح بغني وبصير بغير دني" و" هيدي حياتي بعد ما عشت حكايات كتير ...بكيت وصليت ووحدي احتجيت" هي كلمات ومواضيعَ تقارب واقعا مثقلا بالشوق والتوق ، وبصوت تزيده اللوعة جرحة فنية لا تشفينا الا حين تغني فيروز ...
هذه المرأة الثمانينيّة لا يعرف وجهُها حدودَ المرايا. وأنتَ المصغي إليها، حين   تشغّلُ بيدِ قلبِك تسجيلَ أغنياتها الجديدة عن صفحة الانترنت وتديره في ميدان سمِعك، تراهُ صوتَها يصهل ويترامى صدًى واثقا ثابتا لا يترنّح أمام الوقت مع كلّ ما مرّ بصاحبته من خوف وصلاة ، من صُحبة وافتقاد، من مواجهة جمهور وتوارٍ خلف اللّحظة، من ذكرياتٍ عتاقٍ في حبّ وموت وحرب وعناد، ومسارح  انطفأت وأحبابٍ كانوا هنا ورحلوا... هذا كلُّه، تخبرُه فيروز في أغنياتها الجديدة بل تجاهرُ به بصوتٍ يذكّرك بالجمال كلّه في زمن البشاعة كلّها، بل بصوتٍ يعبر بين الكلمة الواقعيّة والموسيقى الكلاسيكيّة المنسّمة بلا ضجيج وصخب لأنّ صوتها هو الصدارة وهو المكانة في العناصر الفنيّة .
"
كرسيّ اعتراف من دون كاتم صوت" ، بهذه العبارة يمكننا تصنيفُ الانتاج الجديد للسيدة فيروز، وكأنّها  أرادته شبيهًا ببداياتها مع الأخوين رحباني  حين   كانا يهندسان أغنياتهما الأولى بخطوط ونوتاتٍ غربيّة، بأغنيات من قديم ذلك بدايات القرن الماضي ، خلناها لكثرة ما استقرّ صوتُ فيروز فينا أغنياتٍ رحبانيّةً فصار الأصلُ رديفا والرديف هو الأصل... هكذا تعيد السيّدة كرةَ الوفاء الى ملعب البداية في بيروت والحمرا واستوديو الشرق الادنى ، واستوديو بعلبك ، وبزق عاصي وبروفات التانغو وأغنيات من أُسرة "يا ترى نسينا " و "يا زنبق يا غاوي" فتغني مواضيع عبثيةّ وأخرى ذاكرِيّة وتحيلُك في "بيت زغير بكندا" و"أنا ويّاك" إلى جنائن أغنياتها المتنقلة بين مرحلتَي الأخوين رحباني وزياد ، وتسترجع شريط حياتها بوداع مؤثّر تخاله نهاية لمسيرة مديدة بتصريح منها حين تردّد " صحيح بالآخر فلّيت وصدى صوتي ساكن المطارح ..." وبلحظة تعدُك بموعدٍ آخر ربّما في حفل  تتوقعه قريبا لتلامسَ صوتها بتصفيق يدك " ما تحزنو يا صحابي رح نرجع نتلاقى " ...
باقة من تسع أغنيات تقدّمها فيروز على وقع  سؤال  محوريّ يدور في البال " لمين " ، سؤالٌ أحدث هزّة في أوساط الفيروزيّين لكنه مع الوقت وبمفعولِ الطُّعم الفيروزيّ الإيجابيّ  ينساب أعلى من الجمال ويجول في فلك الاستفهامات  عن جنى العمر في سهل الأغنيات وجدوى الحزن طالما الناس يفرحون  أو ماهيّة الفرح حين الناس يغيبون يموتون، والفنانون" الأيقونات"  يتركون أصواتهم هنا ويتدثّرون بالتراب وكأنّهم بشرٌ عاديّون ؟ !!
 
بعد سبعين عامًا من الغناء وقربِ صوتِها من السماء تفتح  فيروز بيدها شبابيك الأغنية  على مِساحات الإرث التقليديّ الغربيّ ليكمنَ صوتُها بين النوتة وأختِها ويُوجدَ مناخًا غريبًا جميلا فريدًا في أغنيات خلناها لن تتبدّل أو تُقالُ بلغة جديدة هي لغة الستّ فيروز.  أغنيات من  خزانة جون لينون وتينوريسي، وجيلبرت بيكو، وجان كلود باسكال، وفرانك سيناترا، أحالتها فيروز لصالح صوتها، فاستوقفتنا في  تحيّة لوطن لم تغادره "ما تزعل مني يا وطني" ومَشْوَرتنْا معها في ندهِها حبيبًا مضى صوب الغيم يسقي الضباب بطَلّ صوتها النديّ تاركا لها أغنيات حبّهما" أنا وياك قصّتنا غِنيّي" وساءلتنا عن حروب ترفضها وحقد يبدّده صوتُها " لوين بدنا نفل، لا حقد ولا كراسي، ... يمكن أنا عم احلم "...
"
ببالي" مشوارٌ يعبره صوتُ فيروز مجدّدا بقراره الشجي وهتافه الناهلِ منّا آهاتِنا من غير مبالغة ولا تسليعٍ لنعمة أداء ربّانيّة وُهِبتها بل كما كان يوصّفُ عاصي صوتَ فيروزته: "تُخرج العُرب وتُنزلها وترصّها وتزيّنُ بها الأغنية كما الجوهرجيّ يُتقن تزيينَ قطعته بحبّات على عدد خرزات القلادة لا اكثر ولا أقلّ" فتسمعها تباري التوزيع الموسيقيّ والكلمة المنثورة في شعر... إنّها الأثر، وحين ينزل صوتها من عُلاه  في جَوّانيّتنا تطلع الأغنية إلى فوق  فنسمو معها الى أماكنَ نرتقيها مع فيروز وحدها .
...
قبل سنوات ثلاثين حين كتبت فيروز لريما الرحباني  في صفحة توقيع كتابها "كبِرتِ يا ريما  وصار في بإصبعك خاتم.. كتبيلي غنّيي لغنّيها"  لم تكن العبارة من أمّ لابنتها فحسب بل من نجمة كبيرة لموهبة رحبانيّة تدير أعمال والدتها وتوثّق زمنها في إخراج وحفلات واستعادات الحنين... فكان أن تكوّرتِ الكلماتُ على  مدى ثلاثة عقود في رحم الانتظار حتى  أطلّ ألبوم "ببالي" في سيرة ذاتيّة  كتبتها ريما بقلم شِعريّتها النثريّة وصدق أصالة الرحم ونسَب الدم ليتولّى  توزيعَها الموسيقيّ البريطانيّ ستيف سيدويل. وبهذا تكون ريما بمعيّة فيروز وبركتها قد  أسّست لغدٍ تضيفه فيروز إلينا بمواعيد صوتها ومراحلها الفنيّة الجريئة رغم اعتراض من يعبثون بنقاء خياراتها وحكمة قراراتها المفصليّة في مسيرتها الغنائيّة الرّاقية وتبوّئها مجدا غنائيًّا يحتاج إلى فيروز أخرى لتطأ عتبتَه ذات زمن... ليت شعري !
لِتسمع "ببالي" بكلّ ما فيه من معاني الصوت وجمال الكلام وإرث الموسيقى، عليك أن تتصَومع في مكانك الفيروزيّ المعتاد وتبدأ حكاية جديدة هي حكايتها القديمة بل حكايتك أنت  بصوتها هي. عليك أن تتمهّل لتسيرَ مع صوتِ فيروز في  محطّاتِه وسنواتِه وتواكبَ اختماره في بال الأغنية  لتستحقّ نبيذَا فيروزيًّا من ألبوم "ببالي" وتسكبَه في قدَحِ بالِك !

الاسم
البريد الإلكتروني *
التعليق
كلمة التحقق
7     +     5     =  
يحتفظ موقع البلد لنفسه بحق الامتناع عن نشر التعليقات التي تحتوي على شتائم أو غيرها من الآراء الخارجة عن حدود اللياقة. إنّ الآراء المنشورة كافّة تعبّر عن رأي المرسل ولا تمثّل آراء موقع البلد أو العاملين فيه. يرجى الإلتزام بـ ٢٠٠ كلمة لتجنب إصدار رد غير كامل.

اتصل بنا  |  عن البلد  |  شروط الإستخدام
جميع حقوق الطبع محفوظة © 2011