• Lebanon
تصفح جريدة البلد
الجمعة 26 أيار 2017
Search
        
لبنان
12°C
19°C

عن حيّ "اللحمية"!

عن حيّ "اللحمية"!
عن حيّ
  •   Facebook Twitter
تعليق
هل أنت متأكد أنك تريد حفظ هذا الخبر؟
نعم    لا
  • الياس قطار, الاربعاء 17 مايو 2017 17:55

الياس قطار

هنا، في كلّ زاويةٍ معتمةٍ تعشّش آمالٌ نسويّة ضيّقة في ذاك الحيّ المتفتّق على ناسه. هنا لا تتلاشى الأجساد الناعمة انتشاءً بين أيدي الباذخين المتوحّشين، ولا تتهامس الشفاهُ ليلاً عن كثبٍ ولا تتراقص الأيدي في مسرح المحظور. هنا حيّ "اللحميّة" وما أدراكم ما في تلك النواصي.

"لحمة طازا يا مدام" لحّام الحيّ يصيح... أجسادُ المواشي تتهاوى من معلقة ذاك الرجل المدمّم. صرخاتٌ تتغلغل في صميم القحّات الذكوريّة وتتسلل بخفةٍ الى أبدان نساء حيّ "اللحميّة" والحيّ المواجه. هكذا تضيع الوجوه وتخجل "الشينيوهات" خلف اللحوم المعلقة في العراء. هنا تتزاحم آلاف أنواع الأنوف بلا كلام أو سلام. هنا تسرق العيون بعضَ نظرات التحقير من وجوهٍ مقتنعة بكمالها الاصطناعي. في تلك الزوايا بعض الأجساد تحقر أعضاءها، تهمّشها تجعلها واهنة، تتآمر مع المرايا لرميها بالقبح.

جلست على تلك الأريكة القاتمة تحاول إصلاح أظفارها وإخراس ثورة أسنانها التي اعتادت القضم. لحظات قبل أن يكتسح الطلاء الأحمر القاني يديها. الكتابُ الى جانبها. بدا عتيقاً غير مشجع على القراءة، إلا أنها عضّت على الجرح وتناولته بقذارة وبحذر خشية على الطلاء. "وجهك يا عمرو فيه طولُ وفي وجوه الكلاب طولُ". فجأة إرتمى الاسوداد في ثنايا وجهها، شعرت بالخجل من تلك العبارة وانتفضت على طلائها مسرعةً صوب مرآتها العتيقة الصامدة على جدار غرفة نومها. راحت أصابعها تلامس وجهها كمن يحتاج الى لمسة جلديّة لإخراس إبليس الجسد. هرولت الى الشارع باحثة عن بنات اللحميّة. كنّ ينتظرنها وعينا اللحام تراقبان نظراتهنّ.

كثيرًا ما ظُلِمت بنات اللحمية إذ رُمين بصفة "السحاقيات". لم يكنّ فعلاً كذلك كما لم يأخذن يومًا على أنفسهنّ أن يُنعتن ببنات الهوى... فبنات اللحميّة طموحاتٌ بشرفٍ، جلّ ما يبحثن عنه في أجسادهنّ هو مجرّد قطعة صغيرة تشرعن للتافهات ما يخجلن به... نعم! هي أحلام نسويّة متواضعة. فالبنات باحثاتٌ مواظباتٌ عن لحميّة تدفع بهنّ نحو مجد إزالة العظام من أنوفٍ على أشكالها. يرفضن العيش في حمام الذلّ الشرفيّ ويأبين البحث عن فضلات الحيّ المواجه. لا شيء يردعهنّ عن ذاك الحلم سوى واقعين أولهما تجسّدُه مرارة ماديّات الزقاق الفقير، وثانيهما يتراءى أمام عيونهنّ على شكل كابوس عندما يفكرن بالمواشي المسلوخة التي تتراقص أمام مكان تجمهنّ.

 
هي برهاتٌ قبل أن يفترقن ليكملن تسكعهنّ "الشريف" في الزقاق الضيق على أحلامهنّ... يغادرن بلا وداع، على أمل اللقاء في المكان نفسه حيث يردّدن يوميًّا على مسامع صاحبات الأنوف المعدّلة ميكانيكيًّا عبارة "مش ظابطة اللحمية يا مدام"... كلماتٌ خمس تجرح أحلاقهنّ عندما تخرج بسرعة الضوء من قلوبٍ تسكنها الغصاّت.

 

الاسم
البريد الإلكتروني *
التعليق
كلمة التحقق
9     +     3     =  
يحتفظ موقع البلد لنفسه بحق الامتناع عن نشر التعليقات التي تحتوي على شتائم أو غيرها من الآراء الخارجة عن حدود اللياقة. إنّ الآراء المنشورة كافّة تعبّر عن رأي المرسل ولا تمثّل آراء موقع البلد أو العاملين فيه. يرجى الإلتزام بـ ٢٠٠ كلمة لتجنب إصدار رد غير كامل.

اتصل بنا  |  عن البلد  |  شروط الإستخدام
جميع حقوق الطبع محفوظة © 2011