• Lebanon
تصفح جريدة البلد
الخميس 19 كانون الثاني 2017
Search
        
لبنان
12°C
19°C

واقع الأخلاقيّات في الجامعة وفي ما هو أبعد

واقع الأخلاقيّات في الجامعة وفي ما هو أبعد
واقع الأخلاقيّات في الجامعة وفي ما هو أبعد
  •   Facebook Twitter
تعليق
هل أنت متأكد أنك تريد حفظ هذا الخبر؟
نعم    لا
  • الدكتور إيلي بدر, الخميس 5 يناير 2017 19:36

 

الدكتور إيلي بدر *

 

تحتلّ الجامعة مكانة مرموقة في مجتمعاتنا اليوم. فمنذ نشأة مفهوم التعليم العالي، اعتبرت الجامعة مكانًا للفضيلة والمثل الأخلاقيّة العليا. ونظرًا لطبيعة العمل الجامعيّ، ألا هو التعلّم والتعليم واكتساب المعرفة، نُثمّن الفكر المنطقيّ، والإنصاف، والسّلوك القائم على المبادئ الراجحة؛ ذلك أنّ الجامعات والمؤسسات التعليميّة العليا تُبنى على أسس الالتزام بمبادئ ومسؤوليّات أخلاقيّة سامية وقواعد سلوكيّة راسخة.

 

في حين تعتبر هذه المبادئ والسلوكيّات الأخلاقيّة مصدر فخر واعتزاز، إلاّ أنها ترتّب علينا مسؤوليّات كبرى. وأنا مدرك تمامًا لهذه المسؤوليّة ولدوري في تحمّلها؛ إذ إنّ مهمّة نائب الرئيس للشؤون الأكاديميّة لا تقتصر على الرّيادة الإداريّة الأكاديميّة فحسب، وإنّما تنطوي أيضًا على أداء دور البَوصلة الأخلاقيّة في المؤسّسة. عندما استلمت مهمّتي، ائتمنني رئيس الجامعة على الطّلاب وذويهم وحمّلني المسؤولية؛ وبالتالي أكون مسؤولاً عن المصاريف الأكاديميّة، والأنشطة، والأعمال، والاتجاهات التربويّة. وأنا مقتنع بأنّ المساءلة يمكن أن تشكّل المحفّز الأساسيّ لعملي .

وإذ أحاول جاهدًا التوفيق ما بين مسؤولياتي المتعدّدة وكلّ ما سأحاسب عليه نتيجة لقراراتي وعملي، لا يمكن إلاّ أنّ أواجه حالات تتضارب فيها القيم وتتنافس. ولا شكّ في أنّني، من موقعي كنائب رئيس، كان عليّ، حتى الآن، أن أفكر مَليًّا بكلّ قرار أتّخذه، أكان مرتبطًا بزيادة الفرص الأكاديميّة وفتح اختصاصات جديدة، أو دراسة الميزانية الأكاديميّة، أو توظيف أساتذة جدد بدوام كامل، أو سوى ذلك من القرارات. فأنا أدرك تمامًا حجم المسؤوليات التي ينبغي أن أضطلع بها على مستوى استخدام مواردنا .

أضف إلى هذه التحدّيات تلك المرتبطة بضرورة تعزيز المستوى التعليميّ والتربويّ في جامعتنا، مع الحفاظ على مستوى أقساط مقبولة ومعقولة في عصر التكنولوجيّات دائمة التطوّر، والعمل الدؤوب من أجل الحصول على الاعتمادات الجامعيّة، وتطبيق الخطط الاستراتيجيّة، وتأسيس مكاتب وفتح وظائف جديدة لا بدّ منها؛ وكلّ ذلك في ظلّ تضاؤل الموارد .

إلا أنّ التعامل مع عدد كبير من المسائل على نطاق واسع، يتطلّب اتّباع "مذهب المنفعة" ، وهو المذهب الذي يقول إن تحقيق أعظم الخير لأكبر عدد من الناس، يجب أن يكون هدف السّلوك البشريّ .

ولكن، ولسوء الحظّ، ليس الأمر بهذه السهولة، وليس الحلّ متوفرًا دائمًا وجاهزًا للتطبيق. فالأخلاق مسألة شخصيّة، وهي مرتبطة بالوسائل والنتائج معًا. فالعمل الأخلاقيّ قد لا يأتي دائمًا بنتيجة جيّدة أو حتى مقبولة، لأنّنا كلّنا نعرف أنّنا قد نقوم بما هو صواب للأسباب الخاطئة، والعكس صحيح .

فالعمل الأخلاقي يكمن في اتخاذ القرارات، والتفكير بمنطق، والتصرف من منطلق المسؤوليّة التي تقع على عاتقنا. بالتالي، نحن مسؤولون عن الخيارات التي نقوم بها، وما نقوم به عادة ما يشمل الطريقة التي نختارها للقيام بما نريد .

أمّا النزاهة فهي العلاقة بين ما نقوله ونؤمن به، والأعمال التي نقوم بها. أي نقرن قولنا بالفعل .

من ناحية أخرى، لا يمكننا أن نتخلّى عن البَوصلة الاخلاقيّة في الجامعة. أولاً لأنّنا نتعامل مع جيل يافع ونتّكل عليه لأنّه مستقبلنا، وثانيًا لأنّنا نتعامل مع أهلٍ ائتمنونا على أولادهم ومدّخرات عمرهم في معظم الحالات. لكن، أنظر حولك، وأمعن النظر... هل تجد أنّ النّاس يتصرّفون بأخلاق واحترام متبادل؟ أنا شخصيًّا أشكّ في ذلك ...

نعم، إنّ المعركة طويلة وشاقّة لكي نتمكّن من أن نرسّخ في نفوس شبابنا مبادئ التصرّف الأخلاقيّ، ولا سيّما أنّ الفساد مستشرٍ ويلفّهم من كلّ حدب وصوب. غير أنّني مفعم بالأمل بأنّ البَوصلة الأخلاقيّة ستوجّه قراراتهم يومًا ما، ولا أرى خيارًا آخر بالنسبة لنا غير أن نمضيَ قدمًا .

أما النقطة الأخيرة التي أعرضُ لها فهي الشراكة بين القطاعين العام والخاص، والمسائل الأخلاقيّة التي تبرز نتيجة لاصطفاف المؤسّسات الأكاديمية مع الشركات الربحيّة. في الواقع، لا يمكن لأيّ جامعة التغاضي عن هذه العلاقة، التي تطرح تحدّيات أخلاقيّة في بعض الأحيان .

أمّا في المجتمع، فيتعيّن على جامعة سيّدة اللويزة، كونها إحدى كبريات المؤسّسات التعليمية الوطنية على مستوى عدد الموظفين والمساحة، أن تلتزم أخلاقيًّا بمبدأ حسن الجوار. لذلك، أخذنا على عاتقنا السعي لتحسين علاقة الجامعة بالمجتمع من حولنا، إذ إنّه المكان الذي تبرز فيه ممارسات الفضائل الأخلاقية. فما نقول ونفعل ونؤمن به يحدّد هويّتنا وشخصيّتنا. وإذا أردنا أن ينظر الآخرون إلينا كجيران جيّدين، علينا أن نتصرّف على هذا الأساس .

والقرارات التي نتّخذها مثلاً، بشأن كيفيّة تطوير الأراضي التي نملكها، لا يمكن أن نتّخذها من برجنا العاجيّ، بمعزل عن محيطنا. فمن حقّ المجتمع الذي نخدم أن يستفيد من عمليّات التطوير التي نقوم بها. لذلك، فإنّ المكتبة التي نخطّط لبنائها، لن تكون مثل أيّ مكتبة جامعيّة تقليديّة، إنّما ستكون مكتبة عامّة ومركز لقاء في الوقت عينه، وستفتح أبوابها للطّلاب والجمهور العريض معًا. ومن المشاريع الأخرى التي بدأنا بتنفيذها، مركز جامعة سيّدة اللويزة للابتكار وريادة الأعمال، الذي يهدف إلى خدمة طلاّبنا وخرّيجي مختلف مؤسّسات التعليم العالي في لبنان. فنحن عنصرٌ من هذا المجتمع وهذه المنطقة، ومن دون دعمهما، يبقى تطوّرنا ونجاحنا محدودين جدًّا. أضف أنّ القرارات التي نتخذها بشأن المنشآت التي نخطط لها في الجامعة مستقبليًّا، ستؤثّر على حركة السّير في الأحياء السكنية ، وعلى الخدمات التي يحصل عليها المواطنون، وعلى النموّ الاقتصاديّ للبلاد. لذلك، يجب أن نصغي إلى جيراننا وإلى المسؤولين لكي نفيَ بوعودنا ونلبّي مطالبهم، ونمضيَ بجامعتنا قدمًا. وسنستمرّ في القيام بما نقوم به، إذ لا يمكننا أن نطلب من المجتمع أن يستمع إلى همومنا ويفهمها، إن لم نشاطره همومَه واهتماماته .

أمّا في الشراكة بين القطاعين العام والخاص، فإنّ إحدى المسائل المرتبطة بالتعليم العالي والمحفوفة بخطر الوقوع في نزاع أخلاقي، قد تكون السعي لتوقيع اتفاقات شراكة مع القطاعين الخاص والعام. وأنا من الذين يؤمنون بضرورة توطيد علاقات التعاون بين الجامعات والقطاع الخاص، وبالتالي علينا أن نعزّز برامجنا التعليمية لتحضير طلابنا وتمكينهم من تلبية حاجات الشركات. وغالبًا ما تتمّ معارضة التعاون بين المؤسسات التعليميّة والشركات بحجّة عدم تعريض الجامعة إلى تأثير القطاع الربحيّ وهيمنته أحيانًا .

غير أنّ الجامعة ليست بمنأى عن تأثير القطاع الاقتصادي الناجح والمزدهر، ولاسيّما أنها تلعب دورًا أساسيًّا في نموّه واستدامته. فالشراكة بين القطاعين العام والخاص ما هي إلاّ وسيلة مبتكرة لتحقيق مطالب القطاعين. ونرى عددًا متزايدًا من الجامعات التي تعقد اتفاقات مع شركات بهدف تشارك الرأسمال والأكلاف التشغيليّة، وذلك من أجل تحقيق أهداف مشتركة. وتلتزم الجامعات، بطبيعتها، العمل من أجل الحقيقة. وقد أشار العالم الاجتماعيّ المشهور البروفيسور إدوارد شيلز إلى "أنّه، وبالرّغم من أنّ الجامعات تعتبر الوسيلة لتلبية حاجات المجتمع الاقتصاديّة، والعلميّة، والثقافيّة، فإنّ وجودها مستقلٌّ عن هدفها الأسمى، وهو، بكلّ بساطة، البحث عن الحقيقة ." Gaudium de Veritate.

 

*  نائب الرئيس للشؤون الأكاديميّة في جامعة سيّدة اللّويزة

الاسم
البريد الإلكتروني *
التعليق
كلمة التحقق
4     +     8     =  
يحتفظ موقع البلد لنفسه بحق الامتناع عن نشر التعليقات التي تحتوي على شتائم أو غيرها من الآراء الخارجة عن حدود اللياقة. إنّ الآراء المنشورة كافّة تعبّر عن رأي المرسل ولا تمثّل آراء موقع البلد أو العاملين فيه. يرجى الإلتزام بـ ٢٠٠ كلمة لتجنب إصدار رد غير كامل.

اتصل بنا  |  عن البلد  |  شروط الإستخدام
جميع حقوق الطبع محفوظة © 2011